درة نجفية وحبة من حبات العنبر الفراتي في حديثة بلاغة الادب البدوي وفي صوته رخامة الريف العراقي، يزيدك اعجابا بانسجام الزي العربي الذي يلبسه وثقافته العصرية
وهذا ليس غريبا على ابن المدينة التي يلتقي عندها العديد من الثقافات انه الشيخ معين السباك شاعر اللغتين الفصحى والعامية .
في مدينة انجبت ابرز اعلام الادب والشعر العراقي ولد الشاعر المرحوم الشيخ معين السباك في مدينة النجف الاشرف العام 1927، حيث التحق بالمدارس العلمية والادبية المتوفرة فيها فدرس النحو والصرف والمنطق والفقه على يد مجموعة من جهابذة العلماء.
وبسبب البيئة التي عاش فيها الشيخ معين والمصادر التي تلقى علومه منها اتجه، حين تفتقت شاعريته، الى الشعر الحسيني مبتعدا الى حد ما عن الاغراض الاخرى، ولان شعره يمتاز بالعذوبة والرقة وابتكار المعاني ودقة التصوير، لذلك قلما تجد خطيبا او رادودا حسينيا ذواقا لا يردد شعره الذي تغلب عليه قوة الديباجة وجزالة اللفظ.
طبع للشاعر ديوانان، الاول في القريض بعنوان( معين الحاج معين) والثاني في الشعر الشعبي (سبائك السباك).
وكان المرحوم الشيخ معين مرح الروح مطبوعا على حب الخير ذا اخلاق رفيعة يمتلك ذكاء ونبوغا جلعه يرتبط بعلاقة طيبة مع جميع معاصريه في النجف وكربلاء والكاظمية، وكانت له علاقة مع المرحوم الدكتور احمد الوائلي والخطيب الشهيد عبد الزهرة الكعبي.
- بين الشيخ معين والدكتور حسين علي محفوظ
حدث اللقاء بين الشيخ معين السباك والعالم والموسوعي العراقي الدكتور حسين علي محفوظ في مدينة الكاظمية المقدسة وفي لقاءين منفصلين وكان اللقاء الاول في دار الحاج محمد علي الصحاف والثاني في دار الحاج صادق الاسدي وحضره عدد محدود من الشعراء والادباء وذلك في عام 2001.
لقد كان الشاعر معين السباك حاضر البديهة يمتلك ذاكرة قوية، رغم تقدم سنه، يؤثر في قلوب سامعية لا تفارق الابتسامة شفتيه وكان لحضور الدكتور حسين علي محفوظ تاثير على مجرى حديثة وكان اعجاب الدكتور محفوظ شديدا بالشيخ معين فأخذ يسأله عن شيوخه واساتذته وعن المفارقات التي واجهته في حياته وفي تلك الجلسات استمعنا للكثير من شعره وانشد لنا الكثير وقرأنا له من شعرنا، وكنا ندرك انه اخذ نصيبه من دنيا الشعر فلم يعد ينقصه شيء منها.
- الشيخ معين في المتحف البغدادي
كان الشيخ معين(رحمه الله) يدخل السرور في قلوب جلسائه بنكاته التي يرويها وهي مقالب اصدقائه التي غالبا ما يكون هو ضحيتها لطيبة قلبه وسلامة نيته ودماثة خلقه.
ومن اجمل النكات التي زادها جمالا وضرافة سماعها من لسانه حين رواها لنا قائلا: كنت اذا قدمت من النجف الاشرف الى بغداد اتوجه الى صديقي الشاعر المرحوم الحاج ابراهيم الهنداوي في الشورجة وفي احدى المرات وقبل ذهابي للشورجة دخلت المتحف البغدادي بسبب الحاح احد الاصدقاء وحبا بالاستطلاع، فوجدت ما اثار استغرابي وعجبي من الاشكال والاجسام التي لا تختلف عن الحقيقة، وحين وصولي قرب الحمار الموجود في احدى غرف المتحف صاح ونهق، فأثار فزعي ودهشتي حتى كدت اسقط على الارض مما اثار ضحك زوار المتحف الاخرين فخرجت مسرعا الى صديقي الحاج ابراهيم الهنداوي واخبرته بالحكاية كلها واذا به يضحك ويرتجل قصيدة كان مطلعها.
حكه المطي من شافك وصاح
شان الولف للولف يرتاح
فزاد اعجابنا بهذا الشيخ الجليل الوقور الذي لا يتكلف ولا يتصنع الحديث او اللغة كما يفعل البعض من شعراء هذه الايام.
- آراء الشيخ معين
الشيخ معين قليل الحديث في السياسة في عهد النظام المقبور وكان يبرر ابتعاده عن السياسة بسبب ارهاب النظام وكان يقول:
لا اخاف على نفسي ولكن اخاف على الاخرين.
ومع ذلك يتذكر العديد من اصدقائه ومقربيه الذين كانوا ضحايا نظام البعث فيعتصر الالم قلبه، وكان شديد النقد للشعراء الذين جندوا اقلامهم ومواهبهم لمدح طاغية العراق.
ومع ذلك يمكن ان تجد في شعره ما تستطيع ان تستوحي منه افكارا تحررية وتقدمية قد لا يمتلكها غيره من معاصريه. ففي احدى قصائده في مدح الامام علي(ع) وهي من الاندلسي قال الشيخ معين:
ياعلي منهجك قاعدة السلام
لليريد السلم والعز والظفر
واحنه من منهجك نترجه النظام
نهج سلمي وسالم ومابي خطر
اخذ من منهج علي عين المرام
والسعادة بجانبه طول الدهر
هاي خطة حيدر الحر الجسور
الحيرت كتابها وعلامها
والاحرار اشما تقدم دور دور
تشوف خطة حيدرة جدامها
وفي ليلة 21 ذي الحجة سنة 1422 انتقل الشاعر الشيخ معين الى جوار ربه واجري له تشييع مهيب في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة ودفن في وادي السلام.
سيبقى الشيخ معين في ذاكرة التاريخ للادب الشعبي شأنه في ذلك شان الحاج زاير والشيخ عبد الحسين ابو شبع والشاعر كاظم منظور الكربلائي.